حوار مع مركز كوردستان لدراسة الصراع والأزمات

أجرى مركز كوردستان لدراسة الصراع والأزمات في منتصف نوفمبر/تشرين الثاني الحوار التالي مع الدكتور عزام القصير. الحوار منشور بالكردية على موقع المركز

ما هي خريطة توزع الجماعات الاسلامية المسلحة في سورية الآن؟

يوجد اليوم عدد من التنظيمات الإسلامية المسلحة الناشطة في بعض المناطق السورية لكنها في العموم تبدو أضعف مما كانت عليه منذ خمس أو ست سنوات مثلاً. أبرز التنظيمات المنتشرة في المناطق الخارجة عن سيطرة النظام هي هيئة تحرير الشام بقيادة أبو محمد الجولاني والتي تسيطر على معظم محافظة إدلب. هناك أيضاً تنظيم حراس الدين وهو تنظيم سلفي جهادي تابع لتنظيم القاعدة، بالإضافةً إلى مجموعة من التنظيمات الجهادية الصغيرة كالحزب الإسلامي التركستاني وغيره. تشير التقارير إلى استمرار تواجد عدد من خلايا تنظيم الدولة الإسلامية في البادية السورية لكن من الصعب تقدير فعاليتها وحجمها بدقة. في السابق، كان لحركة أحرار الشام، وهي تنظيم سلفي، حضور قوي في أرياف حلب وإدلب وحماه، ولكن بعد المواجهة مع هيئة تحرير الشام وحدوث سلسلة من الانشقاقات ضمن صفوفها أصبحت أحرار الشام ضعيفة التأثير ويقتصر نشاطها على بعض مناطق ريف حلب. أدى ضعف أحرار الشام لتقوية فصائل إسلامية مسلحة أخرى منضوية تحت لواء "الجيش الوطني" المدعوم من تركيا، خصوصاً الجبهة الشامية.

ما نوع العلاقة بين هيئة تحرير الشام من جانب وتنظيم القاعدة والمتمثل في حراس الدين من جانب آخر؟

العلاقة بين هيئة تحرير الشام وتنظيم حراس الدين هي علاقة هيمنة. تحرير الشام أقوى بكثير من تنظيم حراس الدين وبإمكانها القضاء عليه إن حصلت مواجهة مفتوحة بين الطرفين. لكن الهيئة تُبقي ورقة حراس الدين في يدها كي تستغلها في محاولاتها لكسب شرعية محلية ودولية وحتى تبدو لاعباً مقبولاً وأكثر اعتدالاً من التنظيمات الجهادية الأخرى. هذا هو توجه الجولاني منذ أن أعلن فك الارتباط بتنظيم القاعدة في منتصف عام 2016. تريد هيئة تحرير الشام أن تظهر اليوم كطرف وحيد قادر على لجم التنظيمات المتطرفة وضبط الوضع الأمني في شمال غرب سورية بما يضمن لها دوراً سياسياً وعسكرياً في الفترة القادمة.

تتعامل هيئة تحرير الشام في إدلب والمناطق الخاضعة لها كإدارة مستقلة، كيف تقيم تجربتها لإدارة المنطقة؟

يتحدث الجولاني وغيره من قادة التنظيم عن أن الهيئة مسؤولة فقط عن الأمور العسكرية والأمنية وأنها لا تتدخل في عمل "حكومة الإنقاذ" وهيئاتها المدنية. لكن في الواقع جميع القطاعات خاضعة للهيئة وأي حديث عن هامش واسع للحريات في مناطق الهيئة هو نوع من التضليل. لا تتدخل الهيئة بشكل مباشر في أمور الحياة اليومية للسكان لكنها تتحكم بالقطاعات الحيوية والاستراتيجية كالمصارف والمعابر الحدودية وتفرض رؤيتها وأيديولوجيتها على المجتمع من خلال ممارسة الرقابة على العملية التعليمية والمؤسسات الدينية والإعلام.

لا يمكن إنكار أهمية التحولات التي مرت بها هيئة تحرير الشام من ناحية خطابها وطريقة إدارتها للمناطق الخاضعة لحكمها. فهي تبدو اليوم أكثر انفتاحاً مما كانت عليه سابقاً لكن من الخطأ التسرع في إطلاق حكم نهائي على الهيئة، سلباً أو إيجاباً. المفروض أن يتم الضغط على الهيئة لتزيد من هامش الحرية في مناطقها وأن تكف عن التضييق على الناشطين المدنيين وأن تتشارك الإدارة والحكم مع أطراف المعارضة السورية وأن تتعامل مع مسألة محاربة التطرف بجدية وليس كورقة ضغط.

كيف ترى مستقبل إدلب وهيئة تحرير الشام في ظل الهجمات المتوقعة للنظام السوري؟

لا يستطيع النظام السوري أن ينهي هيئة تحرير الشام بحملة عسكرية. إلا إن كان الحديث عن عمل عسكري كاسح برياً وجوياً ويعتمد استراتيجية الأرض المحروقة وتشارك فيه روسيا مباشرة ويحظى بضوء أخضر تركي وغربي، وهو ما أستبعده. فالكلفة البشرية لهكذا عمل ستكون باهظة جداً وسيتسبب بموجة نزوح وهجرة كبيرة سيكون لها ارتدادات عالمية، وهو ما يوقف النظام وروسيا وإيران عن الإقدام على ذلك، خاصة وأن الوضع العسكرية والأمني يبدو مستقر على مختلف الجبهات. على الأرجح سيستمر النظام وروسيا بشن هجمات على محيط إدلب للضغط على تركيا ودفعها لمزيد من التعاون وتقديم تنازلات في مسائل أخرى. لجانب ذلك، في حال أقدم النظام على شن هجوم بري واسع فعلى الأرجح ستمد هيئة تحرير الشام يدها إلى فصائل "الجيش الوطني السوري" التي بدورها لها أيضاً مصلحة في توسيع نطاق عملياتها وانتزاع حصة لها في حكم إدلب. ذلك السيناريو سيعيق الجهود الهادفة إلى عزل هيئة تحرير الشام، وهو من أبرز أولويات الاستراتيجية الروسية في سورية.

في السنوات الماضية تراجع داعش في الساحة السورية، برأيك هل انتهى داعش ام يعود مرة اخرى ويسيطر على مساحة جغرافية؟

خطر عودة تنظيم الدولة الإسلامية قائم. ليس من باب التهويل وإنما هناك مؤشرات على استمرار نشاط خلايا التنظيم في نقاط عديدة في البادية السورية الممتدة من ريفي حمص وحماة وحتى حدود العراق. من المستبعد عودة التنظيم مباشرة، ولكن أي تغير في الوضع الحالي قد يفسح المجال للتنظيم لإعادة ترتيب صفوفه وتفعيل نشاطه وزيادة وتيرة عملياته. حملة تركية واسعة في الشمال السوري، مثلاً، ستعني انشغال قوات سوريا الديمفراطية وباقي الأطراف وبالتالي فسح مجال أكبر لحركة خلايا التنظيم. أيضاً، وبالرغم من استبعاد حصول انسحاب أمريكي مفاجئ، هكذا سيناريو سيغير من توازن القوة والنفوذ السائد حالياً وهو ما سيستغله تنظيم الدولة لتوسيع انتشاره. فالتنظيم ينمو في ظروف الحرب وعدم الاستقرار، وتزايد وتيرة عملياته هو مؤشر على حالة التأهب وترقب حدوث مستجدات محلية وإقليمية في الأسابيع القادمة.

يمكن القول إن الغاية الرئيسة وراء عمليات التنظيم المتكررة في العراق وسورية هي استغلالها في حملات التنظيم الدعائية لإثبات وجوده واستمرار قدرة خلاياه على إلحاق قدر كبير من الأذى. وإن لم يحصل اختلال كبير في خريطة السيطرة القائمة فستبقى عمليات التنظيم محدودة ولن يشكل خطراً وجودياً على أي من أطراف الصراع. لكنه على الأرجح سيبقى مشكلة مزمنة في سورية والعراق. 

تهدد تركيا القوات الكردية بالهجوم عليها، في حال وقوع الهجوم هل سينعكس ذلك على تقوية نفوذ الجماعات الاسلامية المقربة من تركيا؟

Source: Syrians for Truth and Justice (STJ) 2021

على الرغم من أن معظم الفصائل المدعومة من تركيا إسلامية إلا أنه لابد من الإشارة إلى أن هناك توجهات إيديولوجية وسياسية مختلفة بين صفوف فصائل "الجيش الوطني". بكل الأحوال، إن أقدمت تركيا على شن حملة عسكرية واسعة فلن يحدث ذلك من دون حصول تفاهمات مع روسيا والنظام. الضغط التركي على الفصائل الكردية سيدفع تلك الفصائل للتقارب مع النظام السوري وقبول شروطه، خصوصاً وأن الإدارة الأمريكية الحالية لا تولي اهتماماً كبيراً بالمسألة السورية. من ناحية أخرى، يبدو أن لا مشكلة لتركيا مع عودة انتشار قوات النظام في المناطق المحاذية لتركيا، لكن تركيا تريد الحصول على ثمن مقابل ذلك. قد يكون ذلك الثمن هو قبول النظام وروسيا بدور أكبر لفصائل "الجيش الوطني"، في ريف حلب حالياً، وربما في إدلب مستقبلاً.

Leave a comment