أولاً، لنتفق على هذا الأمر: التفاهة كطبع أو سلوك عام هي شيء مذموم. لكن، شيءٌ من التفاهة في بعض الأحيان هو ربما أمرٌ سليم. وباعتقادي، أمرٌ جيد ومطلوب. أليست التفاهة ثورةً على المعنى وتحدٍّ للقواعد وخروجاً عن الأُطر؟
لغوياً، التافه من الأمور هو ما لا قيمة له، والتفاهة معاكسة للجدية والالتزام. والشخص التافه هو من ينطق بأقوال وينشغل بأشياء لا قيمة لها. لكن من قال أن هناك إجماعاً على الأشياء القيِّمة والمواضيع الهادفة؟ ومن قال أن الالتزام بقضايا كبرى والسعي وراء طموحاتٍ نبيلةٍ يجب أن يشغلونا أربعاً وعشرين ساعةً في اليوم؟ أساساً، هل بإمكان أي شخصٍ أن يقصر اهتماماته ونشاطاته على قضيةٍ واحدةٍ أو قضايا محددة؟ وحتى لو أمكنه ذلك، هل ذلك جيدٌ ومفيد؟ هل سيتحسن واقعنا إن تحولنا جميعاً لمناضلين ملتزمين، همنا الوحيد الدفاع عن قضايانا، وشغلنا الشاغل هو تفسير العالم ومحاولة ضبطه بما يتناسب مع عقيدتنا أو أيديولوجيتنا أو نواظمنا الأخلاقية و”إتكيتنا”؟
مصيبةٌ أن يبدأ الإنسان بالنظر لنفسه كشخصيةٍ عامةٍ وأن يُخضع لسانه وسلوكه لضوابط الأدب العام والرأي العام وقواعد الإتكيت وغيرها. أو مثلاً أن يتلبَّس طوعاً دور المناضل العتيد الذي يخصص ليله ونهاره دفاعاً عن شيءٍ واحدٍ أو قضيةٍ ما. أو أن “يتَتَلبَسَ” المرء، كما نقول بالعامية، فيصبح خطبةَ جمعةٍ متنقلة، ويأخذ على عاتقه تهذيبنا وأمرنا بالمعروف ونهينا عن المنكر. تلك مصيبة له ولنا. فلا هو يتعرّف على جوانب شخصيته الأخرى ولا هو يفتح نوافذه ليختبر ما قد تأتي به رياح الحياة. أما بالنسبة لنا، فعلينا الإنصات للخطب العصماء صباح مساء، وأن نلتزم الجدية في حضرة القضية
هل يجب أن تتحول الجدية والالتزام إلى سجن؟ هل علينا أن نضحك في السر وأن نعبس في العلن؟ وهل ينبغي لمحاولة مطابقة السلوك مع الصور النمطية أو توقعات الآخرين وتقاليد المجتمع وأعرافه أن تصبح قيوداً تكبل الفرد وتعيق إبداعه وتعبيره الحر عن ذاته؟
نحن أشخاصٌ متعددو الجوانب، وشخصياتنا وسلوكياتنا معقدةٌ ومركّبةٌ ومتغيرة، ومتأثرةٌ بكثيرٍ من الاعتبارات. نتفاصح تارة، فنفكّك العالم ونعيد خلقه، شعراً وأدباً ومحاضرات، وربما نغني ونرقص، وقد نبكي، نصرخ، نهذي، تماماً كالبشر. فلنكفَّ عن قولبة الأشخاص وتكبيلهم بتوقعاتنا وقواعدنا السلوكية. وقبل أن يُساء فهمي، لا شك أن الانضباط والالتزام هما من السلوكيات المحمودة، ولكن مصدرهما يجب أن يكون اعتبارات الإنسان وقناعاته التي توصل إليها بالبحث الذاتي والتجربة، أو على الأقل أن يحاكم بنفسه ما يتبناه من قضايا وأخلاقياتٍ ومواقف آتية من بيئته المحيطة.
نحن نعيش تناقضاً واضحاً بين مُثلنا وما ندّعيه من ناحية وبين واقعنا من ناحيةٍ ثانية. كل شيءٍ من حولنا تقريباً تافهٌ ولا نزال نستميت دفاعاً عن العمق والجدية والالتزام. كم منا لا يضحكون من نكتة أو موقف سخيف؟ كم منا لا يتلفظون بألفاظٍ نابية؟ من منا تشغلهم قراءة أمهات الكتب والاستماع لباخ وموزارت؟ خذي بحسبانك أن العربي يقرأ ما معدله ست دقائق سنوياً. ست دقائق! أيُّ معرفةٍ عميقةٍ ستتشكل من دون قراءةٍ معمقة؟ أي معرفةٍ ستتشكل من قراءة عناوين الأخبار والتويتات ومنشورات الفيسبوك! دعي ذلك وفكري معي، كم منا يلعبون الشطرنج مقابل من يتسمرون لساعات أمام الكاندي كراش مثلاً؟ لا أريد أن أقع في فخ لوم الأفراد وتحميلهم كل المسؤولية. هناك واقعٌ من شبه المستحيل تجاوزه. واقعٌ يمتاز بالتفاهة والسرعة والسطحية، ولا مهرب منه إلا في أعالي الجبال أو الجزر النائية. اعتمادنا على التكنولوجيا، من هواتف ذكيةٍ وكمبيوتراتٍ وألعابٍ الكترونية، سيقود حتماً لضعف التركيز. بمتناول أي منا مصادر معلوماتٍ غير محدودة، تتنوع المعرفة التي تقدمها. فمنها الجيد والرديء، والحقيقي والمزيف، والموضوعي والمؤدلج، وليس باستطاعة الفرد لوحده أن يضبط عمليات إنتاج وفرز وتلقي المعرفة. عالم من الفوضى المعرفية، لا مكان فيه للتأني والبحث والتقصي، ونحن من مفرزات هذا الواقع، شئنا أم أبينا.
بشيء من التفلسف، نمتاز في العالم العربي بهذا الفصام الواضح بين القول والممارسة، وهو بجزءٍ منه عائدٌ لغياب دورنا كأفراد في صناعة “النواميس” أو قواعد الأخلاق العامة. فيحدث دائماً أن تردد إنسانةٌ على مسمعك محاضرةً في الآداب العامة وترسم لك بدقة دوائر الحلال والحرام ونواظم السلوك المتوقع منك أن تتبعها دون أن تكون قد كلفت نفسها عناء التفكير في تلك النواميس أو اتخاذ موقف منها أو محاولة فهم حيثياتها وتطبيقاتها وتداعياتها، إلخ. فنحن، كأفراد، غائبون تماماً، مقابل حضورٍ قويٍ واستحضارٍ ببغائيٍ لنصوصٍ دينيةٍ مقتطعةٍ وأمثالٍ وسردياتٍ شعبيةٍ وحوادث تاريخيةٍ لا يمكن لأحد توثيقها.
لا ضير من بعض المرونة واستيعاب السُّخف والتفاهة، فلن نعيش للأبد. وإلى من ارتضوا لأنفسهم دور “نواطير الآداب العامة”: دعوا الخلق للخالق واعتزلوا ما لا يعنيكم. فلنتقبل اختلافنا ولنحترم اختيارات الأفراد، التافه منها والجاد. وإن كان لابد من اصلاح المجتمع، فليكن ذلك بأن نبدأ من أنفسنا وأن نتمثّل مبادئنا قولاً وعملاً بدلاً من أن نوجه سياط نقدنا لغيرنا، ولا مانع من بعض التفاهة بين الفينة والأخرى، فلسنا “خُشباً مسندة”. من حقنا إبداء الرأي حول أي رأي أو سلوك، لكن ذلك ليس واجباً علينا، ولنترك للآخرين متنفساً ومساحةً ليكونوا ذاتهم ويمارسوا ما يشاؤون. ولنعشها كما أوصانا عبد الحليم: ضحك ولعب وجد وحب
🕺💃