المـاضي والتـاريخ والذاكـرة



من ملاحظاتي، وهي بالطبع ليست حقائق، أرى أن الكثير من المؤرخين العرب لا زالوا أسرى النزعة التقليدية التي ترى التاريخ عبارة عن محطات منفصلة، هي بأغلبها أحداث سياسية كبرى. وفق هكذا منهج، يبتعد التاريخ عن الماضي ويتحول لرواية؛ رواية متخيلة مبنية على بعض الأحداث الواقعية. في حين يصبح الماضي، بكل ما فيه من أنماط ثقافية وتفاصيل يومية وتقاليد اجتماعية وسير شفوية ونشاطات غير سلطوية، منسياً. مقابل تضخيمٍ لأحداثٍ معينةٍ واختزالٍ لمراحل زمنية كاملة

وفق ذلك، يصبح التاريخُ تاريخَ السلطة السياسية وليس تاريخ الشعوب والأمم بما فيه من صراعٍ وتناغم، وإنتاجٍ فكريٍ وحضاري، وتراثٍ ماديٍ ولا-مادي، وجوانب غير سياسية. أيضاً وفق ذات المنظور، يصبح التاريخ غير مستمر، بل عبارة عن مسيرةٍ فيها تقطعات كثيرة، أو بالأحرى عبارة عن سلسلة من أحداثٍ كبرى تفصل ما بينها فراغات يملؤها المؤرخ بمجموعة من الافتراضات والاستنتاجات. واضحٌ إذاً كيف يتيح هذا المنهج المجال للكثير من الأدلجة. ففي الغالب يتم ملء الفراغات والتقطعات التاريخية بما يجعل من التاريخ قصة لها حبكة تدور معظم الأحداث حولها. ويتم افتراض أن لحركة التاريخ قوانين، وأن البشر قادرون على كشف تلك القوانين الثابتة وإدراكها

التاريخ، كقصة، في معظمه من انتاج عقل وخيال الباحث المؤرخ، مبني على عدد محدود من المعلومات والوثائق التي بمعظمها كتبت عن المنتصرين أو بأقلامهم. تخضع تلك المعلومات بدورها لإعادة ترتيب وتفسير بما يقدم إجابات لأسئلة راهنة أو بما يزيد أو ينقص من أسهم أحد الفاعلين السياسيين. بكلمات أخرى، يصبح التاريخ قصة مستوحاة من أحداث واقعية غايتها خدمة أو مواجهة أحد الخطابات الأيديولوجية المتنافسة في الوقت الحاضر

تكمن خطورة هذا المنهج في حاجته لتدخل المؤرخ في صناعة معنى من جملة المعلومات التي حاز عليها. قد يلتزم المؤرخ بمعايير الموضوعية، لكن على الرغم من ذلك تبقى القصة التي سينتجها نابعة من رؤيته الذاتية وتدخلاته الواعية واللاواعية في صناعة معنى. أو قد يبقى التأريخ خاضعاً لأدلجة متعمدة وموجهة عبر توظيف الأحداث ورؤيتها من زاويةٍ واحدةٍ تناسب انتماء المؤرخ وانحيازاته وولاءاته في الحاضر. عندها تصبح صناعة التاريخ تحت رحمة التجاذبات السياسية الراهنة، ويغدو التاريخ غنيمة يحوزها المنتصر

منهجياً، من الأفضل تطعيم مناهج التأريخ بدراسات ميدانية إلى جانب توسيع نطاق المخطوطات والشواهد التاريخية المدروسة بحيث لا تكتفي بدراسة محتويات الأرشيفات الحكومية والمكتبات الوطنية ومقتنيات الأسر النافذة والحاكمة. بل لابد من النفاذ إلى الشواهد على التاريخ الشعبي والاطلاع على المرويات غير الرسمية والسرديات البديلة غير الشائعة أو المتبناة والمدعومة سياسياً. بالإضافة لذلك يجب عدم الانطلاق من افتراضات مسبقة والابتعاد عن محاولة إيجاد قصة محورية شاملة وتدعيمها بشواهد منتقاة

يجادل الفيلسوف كارل بوبر أن لا حبكة في التاريخ. تلك العبارة البسيطة لها مدلولات عميقة وخطيرة فهي تتشابه مع الفلسفة الوجودية من حيث أنها تنسف رواية الأديان السماوية والأيديولوجيات الكبرى كالماركسية وبعض المقولات الليبرالية كأطروحة فوكوياما عن نهاية التاريخ. وفق منهج بوبر، التاريخ هو عمل غير مكتمل، بل هو قيد التشكل الآن، ويعتمد شكله النهائي على اختياراتنا وتفاعلاتها مع جملة واسعة من الظروف الموضوعية، منها المناخ ومستوى التقدم التكنولوجي ونوعية الثقافة السائدة وغيرها. إذاً فالماضي يُقدم دروساً وعبر وليس حقائق ودلالات على مستقبل معين. فعند كل لحظة زمنية نكون أمام مفترق طرق، فردياً وجماعياً. ما معنى ذلك؟ يعني ذلك شيئين: مركزية حرية الإنسان وفاعليته من جهة، وطغيان حالة من القلق والخوف والضياع. فمسؤولية صناعة المستقبل هي عبء ثقيل. فبعد أن تخلت عنك الآلهة ورفع أيديهم مُفسرو التاريخ بِتّ وحدك متروكاً لتواجه مصيرك ولتصنع من عجينة التاريخ صروحاً من الحضارة والعمران والأدب أو مسوخاً من حروب ومجازر ومجاعات. فعندما يقول بوبر أن لا حبكة في التاريخ فإنه قد مسح ما كتبه القدر على جبينك، فحررك من ناحية وألقى على كاهلك عبء الاختيار. أنت الآن حر بقدر ما أنت مسؤول

طبعاً لا يستقيم الحديث عن التاريخ والتأريخ والماضي دون أن نعرج على الوقت. فالوقت مفهوم فيزيائي فلسفي مرتبط مباشرةً بالوعي البشري. الوقت هو ذلك الخط المُتخيل الذي يسير حكماً باتجاه واحد؛ هو ذلك السهم الذي يخترق الواقع متجهاً للأمام. لكن ماهية التاريخ ليست كماهية الوقت، وحركة التاريخ لا تتطابق مع حركة الوقت. التاريخ نسبي، وحركته نسبية، ولا توجد منه نسخة واحدة، خلافاً للماضي. بل تتعدد رواياتنا وسردياتنا التاريخية، فهي ليست حقائق موضوعية كالماضي، بل قراءة بشرية تجعل منه خطياً أحياناً وحلزونياً أحياناً أخرى، أو عشوائياً غير محكومٍ بقواعد مسبقة. وبما أن مادة التاريخ الأساسية هي الحضارة، فقد يتقدم التاريخ للأمام بتقدم الأمم وقد يتقهقر وقد يدخل في سبات عميق جاعلاً من الفهم الخطي قاصراً وخادعاً. فلا الماضي أسوأ من الحاضر بالضرورة، ولا ضمانة أن القادم أفضل وأكثر تطور، حضارياً. أخبرنا عن ذلك ابن خلدون منذ قرونٍ خلت

وفق ذلك الفهم، يغدو التاريخ معادلاً للذاكرة الفردية، ويصبح التأريخ كالتذكّر. فالذاكرة خداعة، تستدعي بانتقائية ما قد يخدم حاجة لحظية أو يستجيب لضرورة آنية. لا قدرة لنا على تخزين كل شيء في ذاكراتنا. تلك الحقيقة الموضوعية تخلق فراغات وتقطعات والكثير من التساؤلات عن حقيقة الماضي. إن تعاملنا مع الذاكرة بعفوية فإنها ستبرز أحداثاً ربما كانت هامشية، وستغفل أحداثاً أخرى ربما صاغت واقعنا وردود أفعالنا وشخصياتنا يوماً ما. فالذاكرة ليست حقيقة موضوعية، والتذكّر هو فعلٌ أو رد فعلٍ انتقائي، تماماً كما يفعل المؤرخ. فالتأريخ هو صناعة ذاكرة جمعية، وبناء رواية وتغليفها وتقديمها للجمهور ليتم استهلاكها بوصفها “التـاريخ“ـ

Leave a comment