بعيداً عن العصبية: ابن خلدون نباتياً

غالباً ما يُقرأ ابن خلدون (1332-1402م) من زاوية مساهمته العظيمة في علوم السياسة والاجتماع، وخاصة من خلال التركيز على نظريته في دورات العمران ومفهوم “العصبية”. لكن ابن خلدون، كمعظم علماء ذاك الزمن، كان موسوعياً في معارفه ولم يلتزم بحدود التخصصات التي استقرت عليها لاحقاً التقاليد البحثية. فيتناول في مقدمته الشهيرة مواضيع اجتماعية متنوعة لا تخلو من بعض المعلومات الجغرافية والأدبية والدينية كما يستعرض عادات الأمم والشعوب من نواحي المأكل والملبس والطباع وغيرها

يرى ابن خلدون أن الإنسان ابن بيئته وأن محيطه يحدد طباعه. فاختلاف الطقس والتضاريس والغذاء يفسر اختلاف طباع البشر وأشكالهم، وهو موقفٌ تبناه بعد عدة قرون القانوني وعالم السياسة الفرنسي مونتسكيو والذي بدوره أسهم في رسم معالم نظرية “الاستعدادات البيئية” التي تم للأسف توظيفها لاحقاً من قبل بعض الجماعات العنصرية. بالعودة لابن خلدون، لا يخفي العالم العربي الشهير رفضه لما نادى به بعض معاصريه وسابقيه من أن البشر بالفطرة متنوعون في استعداداتهم العقلية وخصائصهم البدنية

الإنسان ابن بيئته

مع اعتدال المناخ تعتدل الطباع والأخلاق، ومع تطرف المناخ تنحرف النفوس. يقول ابن خلدون

أما أهل الأقاليم المتوسطة من أهل الاعتدال في خَلقهم وخُلقهم وسيرهم … لديهم من المعاش والمساكن والصنايع والرياسات والمُلك، فكانت فيهم النبوات والملل والدول والشرايع والعلوم والبلدان والأمصار والمباني والغراسة … مثل العرب والروم والفرس وبني إسرائيل واليونانيين وأهل السند والصين. ولما رأى النسّابون اختلاف هذه الأمم بسماتها وشعايرها حسبوا ذلك لأجل الأنساب فجعلوا أهل الجنوب كلهم السودان من ولد حام، وارتابوا في ألوانهم فتكلّفوا نقل تلك الحكاية الواهية وجعلوا أهل الشمال كلهم أو أكثرهم من أهل يافث، وأكثر الأمم المعتدلة وهم أهل الوسط المنتحلون للعلوم والصنايع والملل والشرايع والسياسة والملك من ولد سام. وهذا الزعم وإن صادف الحق في انتساب هؤلاء فليس ذلك بقياس مطّرد إنما هو إخبار عن الواقع … وما أداهم إلى هذا الغلط إلا اعتقادهم أن التمييز بين الأمم إنما يقع بالأنساب فقط … فتعميم القول في أهل جهة معينة من جنوب أو شمال بأنهم من ولد فلان المعروف لما شملهم من لون أو نحلة أو سمة وجدت لذلك الأب إنما هو من الأغاليط التي أوقع فيها الغفلة عن طبايع الأكوان والجهات وأن هذه كلها تتبدل في الأعقاب ولا يحب استمرارها سنّة الله في عباده ولن تجد لسنّة الله تبديلا

إذاً يرى ابن خلدون أن تنوع ألوان البشر ناتجٌ عن تنوع الطقس والمناخ، ويستشهد بقول ابن سينا في ارجوزته في الطب

بالزنج حرٌّ غيّر الأجسـادا       حتى كسى جلودها ســــوادا

والصقلب اكتست البياضا        حتى غدت جلودها بضاضا

ولطباع البشر وأخلاق الأمم نصيبٌ من بيئتهم ومناخهم

وتَتبّع ذلك في الأقاليم والبلدان تجد في الأخلاق أثراً من كيفيات الهواء، والله الخلاق العليم. وقد تعرّض المسعودي للبحث عن السبب في خفّة السودان وطيشهم وكثرة الطرب فيهم، وحاول تعليله فلم يأتِ فيه بشيء أكثر من أنه نقل عن جالينوس ويعقوب بن اسحق الكندي أن ذلك لضعف أدمغتهم وما نشأ عنه من ضعف عقولهم، وهذا الكلام لا محصل له ولا برهان فيه والله يهدي من يشاء

ابن خلدون نباتياً

يربط ابن خلدون بين ما يتناوله المرء من طعام وبين شكله وسلوكه وأخلاقه، ويحذر من اللحوم والدسم لما لها من أثر سلبي على نشاط الإنسان وصحته وحتى مظهره

أما أهل الحجاز واليمن … والبربر والسودان فإن هؤلاء يفقدون الحبوب … وإنما أغذيتهم وأقواتهم الألبان واللحوم ومثل العرب الجايلين في القفار فإنهم وإن كانوا يأخذون الحبوب والإدم (الخبز عندما يُشرّب بالدسم) من التلول إلا أن ذلك في الأحايين … وتجدهم يقتصرون في غالب أحوالهم على الألبان وتعوضهم عن الحنطة … ونجد مع ذلك هؤلاء الفاقدين للحبوب من أهل القفار أحسن حالاً في جسومهم وأخلاقهم من أهل التلول المنغمسين في العيش فألوانهم أصفى وأبدانهم أنقى وأشكالهم أتم وأحسن وأخلاقهم أبعد من الانحراف وأذهانهم أثقب في المعارف والإدراكات، هذا أمرٌ تشهد له التجربة في كل جيل منهم

والسبب والله أعلم أن كثرة الأغذية ورطوباتها تولّد في الجسم فضلاتٍ رديئة … ويتبع ذلك انكساف الألوان وقبح الأشكال من كثرة اللحم كما قلناه وتطغى الرطوبات على الأذهان والأفكار … فتجيء البلادة والغفلة والانحراف عن الاعتدال بالجملة … والجوع لحيوان القفر حسّن في خَلقها وأشكالها واعتبر ذلك في الآدميين أيضاً فإنا نجد أهل الأقاليم المنخصبة العيش الكثيرة الزرع والضرع والفواكه يتصف أهلها غالباً بالبلادة في أذهانهم والخشونة في أجسامهم … وكذلك أهل بلاد المغرب على الجملة … مع الأندلس المفقود بأرضهم السمن جملةً وغالب عيشهم الذُّرة فتجد لأهل الأندلس من ذكاء العقل وخفة الأجسام وقبول التعليم … فتجد المتقشفين من أهل البادية والحاضرة ممن يأخذ نفسه بالجوع والتجافي عن الملاذّ أحسن ديناً وإقبالاً على العبادة من أهل الترف والخصب بل نجد أهل الدين قليلين في المدن والأمصار لما يعمّها من القساوة والغفلة المتصلة بالإكثار من اللحمان والإدم (الدسم) ولباب البر

التقشف والرياضة والتصوف

واعلم أن الجوع أصلح للبدن من إكثار الأغذية بكل وجه لمن قدر عليه أو على الإقلال منها وأن له أثراً في الأجسام والعقول في صفائها وصلاحها

إن النفس إذا ألفت شيئاً صار من خلقها وجبلّتها وطبيعتها لأنها كثيرة التلون، فإذا حصل لها اعتياد الجوع بالتدريج والرياضة فقد حصل ذلك عادة وطبيعة لها، وما يتوهمه الأطباء من أن الجوع مهلك فليس على مما يتوهمونه إلا إذا حُملت النفس عليه دفعةً، وقُطع عنها الغذاء بالكلية، فحينئذٍ ينحسم المعا ويناله المرض الذي يخشى معه الهلاك. وأما إذا كان ذلك تدريجاً ورياضة بإقلال الغذاء شيئاً فشيئاً كما يفعله المتصوفة فهو بمعزل عن الهلاك، وهذا التدريج ضروري حتى في الرجوع عن هذه الرياضة، فإنه إذا رجع إلى الغذاء الأول دفعة خيف عليه الهلاك وإنما يرجع به كما بدأ في الرياضة بالتدريج

ومن الناس من يحاول حصول المُدرك الغيبي بالرياضة، فيحاول بالمجاهدة موتاً صناعياً بإماتة جميع القوى البدنية ثم محو آثارها التي تلوثت بها النفس وذلك يحصل بجمع الفكر وكثرة الجوع، ومن المعلوم على القطع أنه إذا نزل الموت بالبدن ذهب الحسّ وحجابه واطّلعت النفس على ذاتها وعالمها، فيحاوَلُ ذلك بالاكتساب ليقع لهم قبل الموت منه ما يقع بعد الموت، وتطّلع النفس على المغيبات. ومن هؤلاء أهل الرياضة السحرية، يرتاضون بذلك ليحصل لهم الاطلاع على المغيبات … وأكثر هؤلاء في الأقاليم المنحرفة جنوباً وشمالاً وخصوصاً بلاد الهند، ويسمون هناك الجوكية، ولهم كتب في كيفية هذه الرياضة كثيرة والأخبار عنهم في ذلك غريبة

وأما المتصوفة فرياضتهم دينية وعريّة من هذه المقاصد المذمومة، وإنما يقصدون جمع الهمة والاقبال على الله بالكلّية لتحصل أذواق العرفان والتوحيد، ويزيدون في رياضتهم إلى الجمع والجوع التغذية بالذكر، فبها تتم وجهتهم في هذه الرياضة لأنه إذا نشأت النفس على الذكر كانت أقرب إلى العرفان بالله … وما يحصل من معرفة الغيب أو التصرف لهؤلاء المتصوفة إنما هو بالعرَض ولا يكون مقصوداً من أول الأمر، لأنه إذا قصد ذلك كانت الوجهة فيه لغير الله وإنما هي لقصد التصرف والاطلاع على الغيب. واخسر بها صفقة فإنها في الحقيقة شرك. قال بعضهم من آثر العرفان للعرفان فقد قال بالثاني فهم يقصدون بوجهتهم المعبود لا لشيء سواه، وإن حصل أثناء ذلك ما يحصل بالعَرَض وغير مقصود لهم، وكثير منهم يفرُّ منه إذا عرض له ولا يحفل به وإنما يريد الله لذاته لا لغيره

هذا غيضٌ من فيض ما كتب ابن خلدون، فهو كما أسلفت عالمٌ موسوعي، أسس لعلوم الاجتماع قبل دوركهايم ولعلوم الاقتصاد قبل آدم سميث بعدة قرون وكان له مواقف أخلاقية وآراء علمية متقدمة جداً إذا ماوضعناها في سياقها التاريخي، أي في سياق القرن الرابع عشر الميلادي

جميع النصوص مصدرها مقدمة ابن خلدون*

Leave a comment