الحشاشين: حينما يمتزج الواقع بالخيال

الإسماعيلية ليست حركة سياسية بالأساس. تاريخيًا، لم يكن الاسماعيليون فرقة صغيرة، أو عُصبة مارقة، بل مذهب ديني وفلسفي وطريقة تفكير، ينتشر مريدوه من المغرب والأندلس لأواسط آسيا. قلّت أعدادهم تباعًا مع انتهاء الحقبة الفاطمية وغزو المغول، والانشقاقات الداخلية كافتراق الدروز والاسماعيلية والانقسام النزاري-المستعلي، وتراجعت أكثر لاحقًا في بداية القرن السادس عشر ميلادي، مع اعتماد شاه اسماعيل المذهب الشيعي الاثنا عشري مذهبًا للدولة الصفوية.

بالتأكيد لا انفصال بين الديني والسياسي في فترة لم تكن تبلورت فيها بَعدُ نظريات ومناهج الحكم الحديثة. حَكم أئمة المذهب الإسماعيلي مصر وبعض أقاليم شمال إفريقيا متنوعة الأديان والمذاهب، لكنهم لم ينزعوا للتبشير ودفع السكان لاعتناق الإسماعيلية. وهذا الابتعاد عن التبشير لا يزال سمة المذهب لليوم.

لفترات طويلة خلت اتسمت الطريقة الإسماعيلية بالنخبوية، وهي نقطة ضعف وقوة بنفس الوقت. فمن ناحية، اقتصر انتشارها على من يمتلكون الأدوات المعرفية اللازمة لفهم الأفكار المعقدة للمذهب وأسس الفلسفة الإسماعيلية، وأعداد هؤلاء محدودة بطبيعة الحال. فلم ينتشر المذهب ليطغى، ولم يكن ذلك ممكنًا حتى لو أراد الدعاة ذلك. وهنا نقد أبو حامد الغزالي لهم وللمتكلمين محق نوعًا ما، حينما تحدث عن “إلجام العوام عن علم الكلام”.

فالحديث عن معانٍ مستترة للنص، والتفكّر بحرية في أسئلة الوجود، والاعتقاد بمركزية العقل وقدرته على تجاوز ضيق الشريعة والوصول لرحابة الحقيقة، كلها قد تُضعف إيمان من لا يملكون المعرفة الكافية والعقيدة الراسخة. أيضًا، نخبوية أفكار المذهب، جعلت من السهل اتهام أتباعه بالهرطقة والزندقة والتحريف. فمن لا يمتلك المنطق الذاتي للمعتقد، ستبدو له كتابات الإسماعيليين طلاسم، ففيها توليفة خاصة تجمع الفلسفة اليونانية والمعاني القرآنية وعلم الفلك وشذرات من تعاليم الفارابي وابن سينا وابن رشد وغيرهم. لكن انتشار أسس المذهب بين نخب المتكلمين والمتفقهين مكّن الإسماعيلية من النجاة في فترات التضييق والتطهير، منذ أيام السلاجقة وحتى اليوم. ومكنهم حذرهم وسعة علمهم من ممارسة التقية بنجاح. وهنا لا تُفهم التقية كعقيدة أصيلة، بل تُفهم بسياقها التاريخي كوسيلة مُبتدعة للنجاة.

في العصر الحديث، بقيت معظم الأسس الفلسفية للطريقة الإسماعيلية على حالها، لكن لا تنجو المذاهب إن بقيت فلسفات نخبوية. فكان على مؤسسة الإمامة الاستجابة لمقتضيات الواقع، وهو ما ابتدأه الإمام الثامن والأربعون، سلطان محمد شاه، بداية القرن العشرين، واستكمله الإمام الحالي كريم الحسيني. قاد الجد ومن بعده حفيده ثورة داخلية قرّبت المذهب من الواقع وأدخلت مصطلحات ومفاهيم حديثة ضمن أسس المذهب. تتركز تعاليم المذهب اليوم حول الاحتفاء بالتنوع، وبناء الجسور مع أتباع المذاهب والمعتقدات الأخرى، وتشجيع ثقافة العمل الطوعي، والمساهمة الفاعلة في الاقتصاد والسياسة، وتطوير المهارات اللغوية والعلمية لأتباع المذهب. بمنظور آخر، تلك المرونة في إدخال مفاهيم حديثة هي أداة جديدة للحفاظ على المذهب ووضعه في مكانة وسط بين نخبوية الصبّاح وشعبوية الغزالي.

بالانتقال للجدل الدائر اليوم، لا أحد يملك حق منع الناس من الكتابة عن المذهب، أو إنتاج مسلسلات وأفلام عن أتباعه. حل مشكلة سوء الفهم يكمن في التأكيد على أن المعلومة التاريخية الموثوقة تؤخذ من الأبحاث التاريخية وليس من الأعمال الأدبية والفنية. وتلك مسؤولية جماعية للجمهور المتلقي، سواء كان الحديث عن الإسماعيلية أو غيرهم. لكن أيضًا على المؤلفين والمنتجين التحلي بالمسؤولية. كما يجب أن تبقى في الذهن حساسيات الواقع والتوظيفات المعاصرة للتاريخ والقصص المستمدة منه، إضافةً إلى تفاوت القدرة على الوصول للجمهور، وإيصال المعلومة الموثوقة. فلدى الاسماعيليين اليوم مؤسسات، بمعظمها شبكات تنموية وتوعوية، ولكن تبقى قدرتها على الوصول للجمهور محدودة إذا ما قورنت بمؤسسات إعلامية تقف خلفها دول.

بخصوص مسلسل الحشاشين، يبدو أن كثيرًا من أحداث المسلسل مستمدة من رواية “سمرقند” لأمين معلوف و”قيامة الحشاشين” للهادي التيمومي. وهنا، من المفيد التذكير بأن معلوف والتيمومي مزجا في عمليهما بين المعلومة التاريخية والخيال الأدبي. أما المصادر الأخرى التي يُرجع لها عادة عند الحديث عن الدولة النزارية بالتحديد ففيها الكثير من الفجوات، فقد دمر هولاكو مكتبة ألموت التي حوت النصوص التأسيسية للمذهب وشروحاتها، وخرّب المماليك معظم مقتنيات قلاع الإسماعيليين في بلاد الشام، ولم تنجُ مكتبة دار الحكمة في القاهرة من حملة صلاح الدين. فبقي عنهم ما كتبه خصومهم، ككتابات الغزالي وابن تيمية وابن الأثير وبعض كتابات الرحّالة والمستشرقين وهواة الفانتازيا. إضافة لعدد قليل من المخطوطات والرسائل التي احتفظ بها الأهالي في منازلهم في مصياف والقدموس وسلمية.

إن كان لابد من أن تُعرف الإسماعيلية بشيء، فهو كتابات إخوان الصفا وحميد الدين الكرماني والقاضي النعمان، والمتاح من فرمانات الأئمة، بدلًا من اختصار تاريخ المذهب ليقتصر على حقبة الداعي حسن الصبّاح، واختزال الفلسفة الإسماعيلية لتصبح فقط عقيدة الفدائيين. من المراجع المعاصرة، كتابات فرهاد دفتري شاملة وتجمع بين التأريخ والسرد القصصي، ويُفرد في كتابيه “الاسماعيليون: تاريخهم وعقائدهم” و”خرافات الحشاشين وأساطير الإسماعيليين” مساحة جيدة للحديث عن فترة الخلافة الفاطمية وتأسيس الدولة النزارية على يد حسن الصبّاح ومذهبه الذي عُرف باسم “التعليم”.

أخيرًا، الصبّاح ليس مؤسس المذهب كما قد توحي القصص والأعمال التاريخية الدائرة حول أسطورة الحشاشين، لكن بالتأكيد له أفضال جمة تتعلق بنجاة واستمرار الخط النزاري-الآغاخاني، وهو مذهب معظم اسماعيليي بلاد الشام اليوم، والكثير من باقي الاسماعيليين حول العالم.

Leave a comment