سنحاريب حبيب العرب

إحدى مشاهداتي اليومية أثناء تنقلي بين باب توما والدويلعة كانت لوحة على أحد الجدران تحمل اسم دكتور العظمية “سنحاريب حبيب العرب”. لطالما لفت انتباهي الاسم وبقي عالقاً في ذهني وربما كان واحداً من أسباب اهتمامي بالقراءة عن تاريخ بلاد ما بين النهرين خاصة زمن الملك الآشوري سنحاريب نحو 700 قبل الميلاد. المهم، وأنا أستعين بأحد المقالات الالكترونية للتغلب على السهر ليلة أمس فاجأني سلطان نينوى الملك سنحاريب وشخص أمامي بعد أن تسلل خلسة على ما يبدو من أحد الكتب التاريخية المكدسة على رف مكتبتي

تجاهلته بدايةً، لكنه بادر بالاقتراب وجلس بجانبي وأنا أمام اللابتوب. تبادلنا حديثاً سريعاً تجاوزنا به رهبة الموقف. الغريب أن كلينا لم نُفاجأ، ربما لتشابه ملامحنا ولهجتينا المتقاربتين. لكن سرعان ما بدت عليه الدهشة عندما رأى شاشة اللابتوب ولاحظ أصوات الأغاني الصادرة من هناك. شرحت له قليلاً عن الإنترنت وكيفية استخدامها. طبعاً أول ما دفعه الفضول لفعله هو كتابة اسمه في محرك البحث

قلت في قرارة نفسي، يبدو أننا نرجسيون منذ ذلك الزمن

المهم، ما أن ضغط على زر بحث حتى انسدلت قائمة طويلة من روابط الصفحات والأفلام الوثائقية التي تتحدث عن “سنحاريب” أو ورد اسمه فيها. لم يكلف نفسه عناء استعراض الكثير منها. على عجل، اختار أحد الروابط التي لا أذكر الآن ترتيبها بالضبط. كانت مقالة عن تاريخ العراق. اضطررت للتدخل هنا وأوضحت له أن العراق اليوم هو المقابل لبلاد ما بين النهرين في زمنه وطبعاً، بحكم اختصاصي، أسهبت في شرح معنى “دولة” وكيف تطورت المنطقة في القرون الماضية وكيف ظهرت الدول.

تقول المقالة التي اختارها: قام الملك القاسي سنحاريب بتسخير سجناء الحرب لبناء قصره الفاره وحدائقه الممتدة وسور مدينته الشاخص ليومنا هذا وشق الأقنية لري نبات القطن الذي لم تعرفه المنطقة قبل أن يستقدمه

أشاح وجهه عن الشاشة وعدّل جلسته ونظر لي وخاطبني كمن يخاطب جمهرة من الناس: بُني لم يتغير الكثير، القوة نفسها ولو تغيرت وجوه ملاكها. الظلم قائم من بدء الزمن ولو غير ضحاياه. السلطة والجاه والمال وال والكره قوانين ولدت مع الإنسان. تتلاعب به وتوهمه بأنها ملكه، مطواعة بين يديه

أردت تهدئة الموقف وأخبرته أن أحفاده مسلمون ومسيحيون ويزيديون ولهم عقائد هذّبت طباعهم. رد بهدوء وهو مطرق بالأرض: الدين بجوهره لم يتغير. الناس عبيد، كانوا وما زالوا، لفكرة او لشخص او لسلطة أو لإله أو لغريزة. قاطعته، نسيت أن أخبرك أننا لسنا كلنا مؤمنين وأتباع أديان، بعض أبنائك أحرار، يختارون من العقائد والمبادئ ما يشاؤون ومنهم عقلانيون يؤمنون بالعلم، وبالفكر الحر وحده يهتدون

أجاب بتهكم، وهل للإنسان أن يكون حراً! الحرية وهم. طالما أنك على قيد الحياة فأنت لا تتنفس بإرادتك وأهواؤك تتحكم باختياراتك، وتفكيرك مقيد بقيود معرفتك. حواسّك لا تكفي لاستيعاب عالم شاسع لا متناهي الأبعاد. بُني أنت لست مركز الكون. أنت أيضاً شيء، كالحجر والشجر لكن أكثر تطور، أو هكذا تعتقد. هذا الشك سيرافقك حتى تستطيع أن تختبر شعور الشجر أو ترى العالم من منظور الحجر. دون ذلك، سيبقى تفوقك وتطورك وهماً وزعماً نرجسياً

بدا لي مستفِزاً فكان مني أن قاطعته قائلاً: زمننا مختلف، نحن أبناء نيتشه اللذين قتلوا إلههم وتحرروا مرة واحدة وللأبد. نظر لي بجدية هذه المرة وقال: ما هذه التفاهة يا بني! قوانين الحياة باقية مع الإنسان عبر التاريخ. آشور ومردوخ، او ما تسمونه اليوم الله، هم حاجة بشرية. هم تعبير عن الحاجة لشرعية ومصدر مقبول لممارسة بعض البشر سلطتهم المعرفية والقمعية على أبناء جنسهم. وإلا ما المغزى من فكرة وجود إله كامل الصفات غني عن أي شيء آخر؟ ليس للإله من معنى كفكرة مجردة إن لم يتجسد بصورة ما في هذا العالم. دعني أخبرك شيئاً، أنا أرحت الآشوريين من عناء التفكير، وجسدت لهم الإله بذاتي أنا، وحكمتهم ونظمت لهم فوضاهم. في الحقيقة كنت أعلم أن الإله يتجسد عبر قوانين الحياة وهي ما يهمنا كبشر. هي ما يرافق البشر في كل زمان ومكان. سمها ما شئت وألبسها ما شئت، لكنها ثابتة. علاقتنا معها أبسط. خضعنا لها مباشرة ولم ندّع القدرة على تجاوزها أو ترويضها

قلت له نحن نحاول إخضاعها والسيطرة عليها، نعم لم ننجح تماماً بعد، لكن لن نستسلم للغريزة والطبيعة. أجاب، عبثاً تحاولون، ذلك غير ممكن. وحتى لو كان ممكناً، لن يصل بكم لمكان أفضل. صحيح أن باستطاعة علمائكم ومهندسيكم أن يخلقوا حيزاً معدوم الجاذبية في المختبرات لكن أحداً منكم لن يرغب بالعيش في ذلك المكان. هكذا قوانين الحياة، تتيح لك أن تتمرد عليها، فتخسر أنت وتبقى هي على ما هي. خلافاً لما أنت عليه، ليس لها مدة صلاحية

قلت له، تغيرنا من بعدكم يا سنحاريب، الحرب والعنف والظلم والمآسي كانت ضرورية حتى نتعلم أهمية تأسيس دول ومنظمات ومشاريع وكيانات حديثة تحكم بموجب قانون ثابت وليس بناء على رغبة الحاكم وأهوائه. لو لم ندرك بعدكم قساوة طبيعتنا البشرية وقدرتنا على ارتكاب الفظائع لما اندفعنا نحو صياغة قوانين وشرائع وحكومات وجيوش

قال، تذهب الدول والأمم ويبقى جشع الإنسان. الآن اخلد لنومك ودع عنك تلك الهلوسات. وافقته الرأي وقلت له أنت محق، أحياناً أشطح بخيالي وأتخيل نفسي متمرداً على الحياة قبل أن أتذكر أنني بحاجة ثمانية ساعات من النوم وأنني لا أستطيع التمرد حتى على تلك الحقيقة

Leave a comment